الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
59
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
بل قصد به الإخبار عن اسم الإشارة لإفادة الاتحاد بين مدلولي اسم الإشارة وخبره فيفيد أنه هو هو لا يغير عن حاله . قال الزجاج : ومثل هذه الحال من لطيف النحو وغامضه إذ لا تجوز إلا حيث يعرف الخبر . ففي قولك : هذا زيد قائما ، لا يقال إلا لمن يعرفه فيفيده قيامه . ولو لم يكن كذلك لزم أن لا يكون زيدا عند عدم القيام وليس بصحيح . وبهذا يعلم أن ليس المقصود من الإخبار عن اسم الإشارة حقيقته بل الخبر مستعمل مجازا في معنى التحريض والملازمة ، وهو يشبه لازم الفائدة وإن لم يقع في أمثلتهم . ومنه قوله تعالى : وَهذا بَعْلِي شَيْخاً [ هود : 72 ] فإن سارّة قد علمت أن الملائكة عرفوا أن إبراهيم بعلها إذ قد بشروها بإسحاق . وإنما المعنى : وهذا الذي ترونه هو بعلي الذي يترقب منه النسل المبشّر به ، أي حاله ينافي البشارة ، ولذلك يتبع مثل هذا التركيب بحال تبين المقصود من الإخبار كما في هذه الآية . وقد تقدم ذكر لطيفة في تلك الآية . [ 53 ] [ سورة المؤمنون ( 23 ) : آية 53 ] فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ( 53 ) جيء بفاء التعقيب لإفادة أن الأمم لم يتريثوا عقب تبليغ الرسل إياهم إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ المؤمنون : 52 ] أن تقطعوا أمرهم بينهم فاتخذوا آلهة كثيرة فصار دينهم متقطعا قطعا لكل فريق صنم وعبادة خاصة به . فضمير فَتَقَطَّعُوا عائد إلى الأمم المفهوم من السياق الذين هم المقصود من قوله وَإِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ [ المؤمنون : 52 ] . وضمير الجمع عائد إلى أمم الرسل يدل عليه السياق . فالكلام مسوق مساق الذم . ولذلك قد تفيد الفاء مع التعقيب معنى التفريع ، أي فتفرع على ما أمرناهم به من التوحيد أنهم أتوا بعكس المطلوب منهم فيفيد الكلام زيادة على الذم تعجيبا من حالهم . ومما يزيد معنى الذم تذييله بقوله كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ أي وهم ليسوا بحال من يفرح . والتقطع أصله مطاوع قطع . واستعمل فعلا متعديا بمعنى قطع بقصد إفادة الشدة في حصول الفعل ، ونظيره تخوفه السير ، أي تنقصه ، وتجهمه الليل وتعرفه الزمن . فالمعنى : قطعوا أمرهم بينهم قطعا كثيرة ، أي تفرقوا على نحل كثيرة فجعل كل فريق منهم لنفسه دينا . ويجوز أن يجعل فَتَقَطَّعُوا قاصرا أسند التقطع إليهم على سبيل الإبهام ثم ميز بقوله أَمْرَهُمْ كأنه قيل : تقطعوا أمرا ، فإن كثيرا من نحاة الكوفة يجوزون كون التمييز معرفة .